ابن الجوزي
144
زاد المسير في علم التفسير
قوله [ تعالى ] : ( لئلا يكون للناس ) في الناس قولان : أحدهما : انهم أهل الكتاب قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، وقتادة ، ومقاتل . والثاني : مشركوا العرب ، رواه السدي عن أشياخه . فمن قال بالأول ، قال : احتجاج أهل الكتاب أنهم قالوا للنبي : مالك تركت قبلة بيت المقدس ؟ ! إن كانت ضلالة ، فقد دنت الله بها ، وإن كانت هدى ، فقد نقلت عنها . وقال قتادة : قالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . ومن قال بالثاني ، قال : احتجاج المشركين أنهم قالوا : قد رجع إلى قبلتكم ، ويوشك أن يعود إلى دينكم . وتسمية باطلهم حجة على وجه الحكاية عن المحتج به ، كقوله [ تعالى ] : ( حجتهم داحضة عند ربهم ) وقوله : ( فرحوا بما عندهم من العلم ) . قوله [ تعالى ] : ( إلا الذين ظلموا منهم ) قال الزجاج : معناه إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له ، كما تقول : مالك علي حجة إلا الظلم ، أي : إلا أن تظلمني قال ابن عباس : ( فلا تخشوهم ) في انصرافكم إلى الكعبة ( واخشوني ) في تركها . كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ( 151 ) قوله [ تعالى ] : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ) قال الزجاج : " كما " لا تصلح أن تكون جوابا لما قبلها ، والأجود أن تكون معلقة بقوله : ( فاذكروني ) وقد روي معناه عن علي ، وابن عباس ، ومجاهد ، ومقاتل . والآية خطاب لمشركي العرب . وفي قوله : ( ويزكيهم ) ثلاثة أقوال ، قد سبق ذكرها في قصة إبراهيم . والكتاب : القرآن والحكمة : السنة . فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ( 153 ) قوله تعالى : ( فاذكروني ) . قال ابن عباس ، وابن جبير : اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي . وقال إبراهيم بن السري : كما أنعمت عليكم بالرسالة ، فاذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي . قال : فإن قيل : كيف يكون جواب : ( كما أرسلنا ) ( فاذكروني ) فإن قوله : ( اذكروني ) أمر وقوله : ( أذكركم ) جزاؤه ، فالجواب : أن المعنى : إن تذكروني أذكركم . قوله [ تعالى ] : ( واشكروا لي ) الشكر : الاعتراف بحق المنعم ، مع الثناء عليه .